كم تبلغ تكلفة كراء شهادة مهندس مدني؟ (دون احتساب رسوم رد الإعتبار)

كراء شهادة مهندس مدني

كراء شهادة مهندس مدني, شهادة مهندس مدني للكراء! …أيا كانت الصيغة.

في البداية, دعنا نتفق على أن المهندس يتم تتويجه بهذه الشهادة نظير سنوات طويلة من الدراسة الجامعية. يتوقع منها أن تكسبه قدرة على إيجاد حلول تقنية بطريقة تخفى على غيره ممن لم يقطعوا هذه المسيرة التعليمية. و على هذا الأساس يتم توظيفه من طرف صاحب العمل!

اذا كنت من مرتادي موقع “واد كنيس” الجزائري أو بعض المجموعات الهندسية على الفيسبوك، فحتما قد صادفت مثل هذا الاعلان!

عرض كراء ديلوم هندسة مدنية

هذه الصورة و مثيلاتها تثير حفيظتي حتى أكاد أجمع في قارورة صغيرة ما يفرزه جسمي من هرومون الأدرينالين و أضعها أمامي على المكتب.
يقوم المهندسون بعرض شهاداتهم للكراء على هذه المنصة بمبالغ تتراوح ما بين عشرة آلاف و خمسين ألف دينار جزائري.
اذا قلنا أن قيمة واحد دولار بتاريخ اليوم تعادل ١٣٣ دينار جزائري. فتخيل كم هي كلفة كراء شهادة مهندس مدني بالدولار (٧٥ الى ٣٧٥ دولار) في الشهر! أمر محبط جدا.

هذا مثال عن كثير من الإعلانات من هذا القبيل. حيث يعرض المهندسون (و أحيانا تجد صيادلة و تخصصات أخرى) يعرضون شهاداتهم للكراء مقابل مبلغ صغير. في الغالب يعادل راتب مهندس مبتدء أو أقل من ذلك.

هل هنالك سوق خاص بالشهادات؟

هل هذه تجارة مربحة؟ أم هي استغلال للمهندس المبتدئ في ظل قلة الفرص الوظيفية و الازمات التي تمر بها البلاد؟
في الحقيقة. صادفت الكثير من المهندسين ممن يفضلون هذه (اللقمة الباردة). حتى يتسنى لهم التفرغ لجني بقشيش من جهة أخرى.
و لكني لا أريد الحديث عنهم مطولا. لأن السهولة التي يبيعون بها شهاداتهم تحيلك إلى توقع السهولة التي حصلوا بها هذه الشهادات. باتباع الأساليب (السهلة الممنوعة), و لا أظن أن شهاداتهم تستحق أكثر من تلك المبالغ.


و لكني أفكر اليوم في جمع أفكار و حلول بديلة تمنع المهندسين الشرفاء من أن يضطروا لعرض شهاداتهم للكراء بهذه الطريقة. تماما كما يعرض الرجل كليته للبيع و هو يعلم أنها جزء منه.


الجدير بالذكر. أن قيمة الشهادة عند اولئك الذين حصلوها بطرق شريفة لا تبعد كثيرا عن قيمة كلية!



من هذا المنطلق. ارتفعت في السنوات الأخيرة شعارات غيورة. من قبيل (ما نكريش الديبلوم/ ما تكريش ديبلومك), يندد فيها المهندسون عن هذه الظاهرة. و ينبهون اخوانهم من مغبة الوقوع في هذا الخطأ.

‘تدوير’ شهادات المهندسين!

ظاهرة غريبة جداً, لاحظتها من واقع حياتي المهنية. يأتي المهندس ال fresh حاملا سيرته الذاتية الجوفاء بين يديه، متوجها نحو مكتب الموارد البشرية في ادارة ما.

يعترض طريقه شخص آخر، ليس شرطا أن يكون ‘صاحب مقاولة’. قد يكون سائقا في مكان العمل ذلك، أو حارسا أو حدائقيا، فيعرض على المهندس طالب العمل أن يبيعه شهادته نظير مبلغ ما. و في المقابل، فقد اتفق هذا ‘المستثمر’ مع مقاول ما أن يأتيه ببعض الشهادات مقابل هامش ربح!

عصابات تزوير الشهادات

ربما سأذكر بشيء من التفصيل في تدوينة لاحقة قصتي مع عصابة تزوير شهادات المهندسين المدنيين. و سأكتفي هنا بالتلميح الى هذه الظاهرة الدنيئة، حيث صادفت في حياتي أشخاصا قاموا بتزوير شهادات قصد الحصول على فرص عمل. او بيعها لأطراف أخرى تستعملها للحصول على مشروع حكومي.


لقد وقعت في بداية حياتي المهنية ضحية احدى هذه الملاعبات. حيث قام الشخص الذي من المفترض أن أتوظف لديه، بكراء شهادتي لشخص آخر (مقاول), و سرعان ما اكتشفت ذلك صدفة عندما التقيت هذا المقاول في قاعة الانتظار بمصلحة الضمان الاجتماعي. يحمل ملفا عليه صورتي ، و سرعان ما اكتشفت منه أن الشخص الذي باعه هذا الملف، باعه من قبل وثائق مزورة.

في الأخير تم التبليغ بنجاح لدى مصالح الأمن، و فسخ (عقد الكراء) مع المقاول. طبعا لأنه ليس عقد عمل.

اقرأ أيضا: ١٠ نصائح من خ/برا للمهندسين المدنيين الجدد بخصوص سوق العمل

(و اذا أردت أن تصلك آخر تدويناتي عن العمل و الوظيفة في قطاع الهندسة و البناء, يمكنك ترك ايميلك في الخانة أسفله)

أين الخلل, و ماذا لو اضطررت؟

هذا هو الغرض من تدوينة اليوم. هناك الكثير من المهندسين الجدد (و المهندسات خاصة), من يعرضون شهاداتهم ‘مكرهين’ على ذلك. لأن المهندس اليوم لا يتلقى طيلة مسيرته التعليمية، التي درس فيها الرياضيات و الفيزياء والكيمياء و علوم أخرى. البعض منها- ان لم أقل أكثرها- لا ينفعه في دنيا و لا في آخرة. لم يتلق تعليما موجها عن كيفية كسب المال، و عن قواعد الاستثمار العقاري. لا يوجد درس واحد من دروسه الجامعية، ينبهه الى ضرورة التفكير في المقاولاتية و انشاء عمل بصفة مستقلة في مجال تخصصه، و أنه الرجل الأنسب لذلك..


كل الدروس التي تلقاها في حياته الدراسية، تظافرت لتصنع منه عبدا يتقن فعل مهام نظرية معينة لصالح أفراد أو مؤسسات أخرى.
مهندس بلا خبرة عملية. و بلا خبرة في الحياة، الا اذا تنبه لذلك مبكرا.

و عادة ما يكون اولئك أشخاصا اجتماعيين منذ الصغر. او تعلموا من فشل اشخاص أخرين في محيطهم، أو تلقوا بجدارة نصائح أشخاص لهم خبرة في الحياة.

قصة و عبرة

في تسعينيات القرن الماضي, تعرض أحد زملائي في الدراسة للطرد من المدرسة. كنت أفكر فيه بشفقة من حين لآخر, لقد ترك السبيل الذي يقود إلى النجاح و اتجه للشارع, حيث الحياة صعبة و قاسية. أكملت أنا دراستي الثانوية و بعدها الجامعية, تلقيت دروسا نظرية كثيرة عن الخرسانة و التراب, عن قواعد البناء و شروطه. و تلقى هو دروسا عملية من أبيه, في البناء لصالح الآخرين. باستعمال عتاده الخاص, و استعمال المواد الأولية التي يوفرها صاحب المبنى…

بعد سنوات معدودة, و في أحد الايام حينما كنت عائدا من العمل, و لسبب لا أذكره, تاخرت في الوصول إلى المنزل, لوقت توقفت فيه كل الحافلات العمومية عن العمل. توقفت بجانبي سيارة جميلة, كان يقودها ‘زميلي’ الذي لم أره لمدة طويلة بحكم ابتعادي و انشغالي بالدراسة الجامعية. رحب كل منا بالاخر, و بدا كل واحد فينا يسأل الاخر باهتمام عن جديده:

أخبرته أنا أني تخصصت في الهندسة المدنية و أكملت دراستي الجامعية, و أني حصلت على وظيفة في تخصصي. ففرح بذلك كثيرا, و اخبرني أنه في طور انشاء مقاولة بناء خاصة به, بعد كل السنوات التي أنجز فيها مشاريع خدمات بناء بصفة مستقلة لصالح الخواص. ثم أوصاني أن أخبره في حال صادفت مهندسا ما مستعدا لكراء شهادته لبضعة أشهر.

هل من حلول؟

أود من كل أعماق قلبي ان تختفي هذه الظاهرة من الوجود. في وقت مضى كانت الجزائر تعيش بحبوحة مالية منعشة, و كان قطاع البناء محركا قويا لاقتصاد البلاد, كانت هناك برامج سكنية مليونية, و تحديات لانجاز مشاريع بمقاييس دولية. و على هذا الأساس, عملت الدولة على تخريج دفعات مكثفة من المهندسين حتى تلبي احتياج السوق من الكفاءة. (أو من الشهادة اذا سلمنا أن هناك ثغرة ما).

هنا يكمن خطأ ما. سنوات عديدة لم تكن الخبرة فيها شرطا للحصول على وظيفة, كلما تحتاجه هو شهادة. ربما يحتاجها صاحب العمل أحيانا أكثر من حاجته إلى خبرتك كمهندس. لأن هذه الشهادة وضعت كشرط في قوانين الصفقات يحققه المقاول للحصول على مشروع جديد..

ثم جاءت سنوات عجاف. تقشف, تجميد للمشاريع, عصابة, اختلاسات كبيرة و تبديد للمال العام. فجأة, تضاءلت الحاجة إلى المهندسين المدنيين – أو إلى شهادات المهندسين المدنيين- و اذا توفر منصب وظيفي ما, فالخبرة غالبا هي الحكم. حتى و إن توفرت عند من لا يملك الشهادة!

إذن, فالحل, هو في تقبل المهندس لحقائق حتمية و معالجتها بصفة جدية:

  • الأولى : أن هنالك نقاط قوة لابد من تحسينها
  • الثانية: أن هنالك نقاط ضعف يجب معالجتها
  • الثالثة: أن هنالك فرصا لابد من استغلالها
  • الرابعة: أن هنالك تحديات عليك تجاوزها

1- تحسين نقاط القوة

أهمها, أن يقال أنك مؤهل من بين الكثير من البشر من حولك, لحل نوع من المشاكل (نظرية على الأقل). فلا يصعب عليك أن تفكر بجدية في حلول لمشاكلك المالية. و لابد أن يعرف كل واحد منا أن هنالك فرقا كبيرا بين قيمة الشيء و تكلفته. فإذا قبلت بكراء ثمرة جهودك كل تلك السنين, فأنت لم تعط قيمة لذاتك و لمجهوداتك.

2- معالجة نقاط الضعف

تعرف على نقاط ضعفك و اعمل على تحسينها. هل هنالك مهارات ناعمة (soft skills) عليك العمل عليها و اكتسابها أم عليك تطوير مهاراتك الفنية و التقنية المتعلقة بطبيعة العمل الذي تستهدفه؟ اقرأ المزيد عن هذه المهارات في مقال جميل على مدونة مهر.

المهارات الشخصية
مصدر الصورة: مدونة مهر blog.mo-hr.com

3- استغلال الفرص

هنالك فرصة أخرى لم يحظى بها كثيرا مهندسو القرن الماضي هي : الانترنت. فهي اليوم تضمن لك كما هائلا من الفرص سواءا في التعلم الذاتي أو العمل عن بعد, لابد أنك لاحظت أن هناك ساعات من الدورات التدريبية المجانية على منصات بعدد لا محدود و بشتى اللغات, بدءا من اليوتيوب, الى دورات يوديمي المجانية, و كذلك العديد من المنصات المشابهة الأخرى.

كذلك, هنالك اليوم فرص لتقديم خدمات عن بعد, هنالك الكثير من المهندسين يقدمون على موقع خمسات خدمات هندسية مختلفة مثل الرسم الهندسي بواسطة أوتوكاد, التصميم الانشائي للبنايات, بيع تصاميم جاهزة….الخ.

يمكنك بدء مشروع جانبي من هنا, من خلال شراء و بيع الخدمات, يعني أنك اذا حصلت على طلب خدمة معينة من أحد جيرانك مثلا, يمكنك أن توظف أحد المستقلين على هذه المنصة لانجاز الخدمة المطلوبة مقابل سعر معين, ثم تقدمها لصاحب المشروع بسعر أعلى قليلا لتحصل على هامش ربحي.

من الفرص المتوفرة أيضا هو اماكنية التواصل عبر مجموعات الفيسبوك و الواتس اب مع مهندسين ذوي خبرة معتبرة, و استشارتهم من حين لآخر حتى تختزل الكثير من قصص الفشل.

4- تجاوز التحديات

هنالك عراقيل لا يمكن تجاهلها, في الجزائر مثلا, صارت نسبة الفرص الى نسبة العراقيل مهملة جدا, لدرجة أن الكثير منا اليوم أصبح يفكر في ترك العمل في مجال الهندسة و البناء, و لبحث عن قطاع اكثر انتعاشا.

لكن, هنالك دائما بصيص أمل, هنالك الكثير من الناس لازالوا يحققون نجاحات مالية متتالية, ببساطة, لأن هنالك قانوان واضحا يقول ان زيادة المشاكل و العراقيل من حولنا يعني أن هنالك أشخاصا كثيرين في حاجة للحصول على حل لمشكلاتهم نظير مقابل ما, كل ما يبقى علينا فعله هو التفكير في التعرف على هذه المشاكل و المشاركة في ايجاد حلول لها, لا أن نكون جزءا من المشكلة.

في رأيك, ما هو الحل الأمثل للقضاء على ظاهرة كراء الشهادات الجامعية لاجل المال؟ و بماذا تنصح المهندسين المدنيين الجدد؟

اترك تعليقا...